المغرب في مرحلة جديدة
تقرأ المغرب التحولات الجيوسياسية كفرصة لإعادة تعريف دوره في العالم: لم يعد الحارس الأمني لأوروبا فحسب، بل فاعل استراتيجي يحفظ مصالحه في علاقة أكثر توازناً مع أوروبا وعمقه الإفريقي. وفي هذا الإطار، تسعى الرباط إلى تحويل النموذج القائم من تبعية أمنية إلى اقتصاد سيادي يعتمد على شروطه هو. وعلى هذا الأساس تتبلور حزمة مطالب تعتبرها خطوطاً حمراء لأي تعاون مستقبلي في ملفات الهجرة والأمن والطاقة والاقتصاد: الاعتراف الكامل بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، واعتماد مقترح الحكم الذاتي كالحل الوحيد؛ اعتبار سبتة ومليلية مدينتين مغربيتين محتلتين ورفض أي تشريع أو إجراء إسباني فيهما؛ تعويض عادل عن جرائم الغازات السامة في الريف وجبالة مع اعتذار رسمي من الحكومة الإسبانية ومحاسبة المسؤولين، إضافة إلى إنشاء صندوق تعويضات يساهم فيه الطرف الإسباني؛ منح الجنسية الإسبانية لأحفاد الموريسكيين، ووقف توطين البوليساريو في الجنسية الإسبانية وكشف قوائم المتجنسين. وتؤكد الرباط أن هذه المطالب ليست تفاوضاً بسيطاً، بل إطاراً لاستعادة التوازن في العلاقات مع أوروبا. وفي سياق ذلك، تبرز زيارة مرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس وتوقيع معاهدة صداقة غير نمطية مع فرنسا، كإطار تحويلي ينعش العلاقات المغربية الفرنسية ويضع باريس كمرسى رئيسي للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
أوروبا والمغرب: حدود العلاقة والتحديات
من جهة أخرى، تصر أوروبا على وضع المغرب كدولة عبور أو منشأ للهجرة، في حين يظل الواقع المغربي دولة استقرار وتستضيف ملايين الأفارقة وتؤمنهم وتدمجهم، بينما تستمر أوروبا في إغلاق حدودها وتبحث عن كبح تدفق الهجرة عبر المغرب كدرع أمني. وفي المقابل، لا تعترف أوروبا بسيادة المغرب على الصحراء رغم وصفها الرسمي لمقترح الحكم الذاتي بالجدي وذا المصداقية. وتكرر باريس اعتبار سبتة ومليلية أرضاً إسبانية، فيما تبقى المغربيتان المحتلتان، وتستمر مدريد في ترحيل القادمين منها. وتواجه الرباط أقاعداً تاريخية في ملف الجرائم المرتبطة بالريف وجبالة وتطالب بتعويضات، وتتهم دول أوروبا بإغفال حقوق الضحايا. وفي المقابل، يظل المغرب يضغط لتعظيم عمقه الإفريقي: عاد إلى الاتحاد الإفريقي، ووقع شراكات استراتيجية مع دول الساحل وغرب إفريقيا في الأمن والطاقة والزراعة، وصدّرت خبراتها الدينية والأمنية إلى دول إفريقية، ورفعت قدراتها البشرية عبر كوادر مدربة. هذا العمق الإفريقي يمثل خياراً إستراتيجياً لا يمكن تجاهله إذا استمرت السياسات الأوروبية في الضغط دون تقدير للدور المغربي.
أفق العلاقات الإقليمية والعمق الإفريقي
وعلى صعيد العلاقات الإقليمية، يتنامى حضور فرنسا في دورة جديدة مع الدوافع نفسها التي تؤكّدها المقاربة المغربية: أن تكون فرنسا بمثابة منصة لتطوير العلاقة مع الاتحاد الأوروبي. وفي المقابل، تواصل مدريد والرأي العام الإسباني قراءةً معقدة للعلاقة مع المغرب، في ظل وجود الدولة العميقة والنفوذ الملكي وبقايا الإرث الاستعماري وتوترات قضايا الصحراء والحدود. وفي خطوة لا تخلو من دلالات، قام رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بزيارة الجزائر في 20 يوليو 2026، بحث خلالها مع الرئيس عبد المجيد تبون ملفات الطاقة والأمن والهجرة والتنسيق بشأن قضايا إقليمية، مع الإشارة إلى أن الجزائر أصبحت المورد الأول للغاز لإسبانيا منذ مطلع 2026. وتتقاطع هذه التطورات مع مخاوف مدريد من تراجع موقعها إزاء المغرب، ما يوحي بأن المغرب دخل مرحلة جديدة من القوة والسيادة، لا رجعة عنها، وتستند إلى تنويع الشراكات وتثبيت مصالحه في إفريقيا بالإضافة إلى علاقاته مع أوروبا.


