قراءة تحليلية للحدث
قال الدكتور العياشي الفرفار، الجامعي والبرلماني الاستقلالي، إن ما شهدته سبتة في 30 يوليوز لم يكن مجرد موجة هجرة غير نظامية، بل مأساة إنسانية كشفت اختلالات عميقة في تدبير ملف الهجرة والحدود.
وذكر أن التدفقات البشرية، التي شملت شباباً وقاصرين وأمهات وأطفالاً صغاراً، جاءت في سياق إشاعة واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي تفيد بأن أبواب سبتة مفتوحة وأن إسبانيا بحاجة إلى اليد العاملة، إضافة إلى تداول معطيات بأن قراراً قضائياً يمنع إعادة من يصل إلى المدينة عبر البحر. حذر من أن استمرار تجاهل الأسباب الحقيقية قد يجعل تكرارها وارداً.
في قراءة تحليلية نشرها موقع "أخبارنا"، أوضح أن الكارثة ليست حدثاً واحداً بل نتيجة سلسلة قرارات وإشارات كان ينبغي استباق تداعياتها. وأشار إلى أن القرار القضائي الصادر في 8 يوليو غير بعض شروط وإجراءات إعادة الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة عبر البحر، وأنه ليس جوهرياً في مشروعيته داخل المنظومة الإسبانية فحسب، وإنما في تأثيره خارج الحدود في منطقة حساسة يمكن لأي تغيير في قواعد التعامل مع الهجرة أن يتحول إلى رسالة واسعة التأثير على آلاف الأشخاص. كما أبرز أن الإشكال يتجاوز النص القانوني، وأن الاعتماد على المراقبة الحدودية وحدها لم يعد كافياً أمام موجات تُحضَّر رقمياً قبل أن تتحول إلى واقع ميداني. وتطرق إلى أن العالم تغير، وأن مفهوم الحدود لم يعد محصوراً بالأسلاك والحواجز بل بنطاقات الشبكات الاجتماعية التي تتيح صناعة السلوك الجماعي وتوجيه الحشود.
الخطأ الأول، وفق هذه القراءة، يتمثل في عدم استباق التداعيات المحتملة للقرار القضائي وعدم التعامل معه كإشارة قد تستدعي رسالة تستهدف فئة واسعة من الشباب والقاصرين. أما الخطأ الثاني فمرتبط بالتساهل في مواجهة الإشاعة الهجراتية عبر المنصات الرقمية، حيث لم تتعامل السلطات الإسبانية بسرعة وفعالية مع الحملة الرقمية ما سمح للإشاعات بأن تملأ الفراغ وتحوّل الوهم إلى حلم لدى آلاف الشباب. ويذهب الفرفار إلى أن العالم تغيّر، وأن الشبكات الاجتماعية صارت فضاءً لصناعة السلوك الجماعي، فاعتماد المراقبة الحدودية التقليدية وحدها لم يعد كافياً.
ويبرز الخطأ الثالث في غياب استراتيجية تواصلية استباقية، إذ كان يفترض بالسلطات أن تشرح، وباللغات التي يفهمها المعنيون، أن الدخول غير النظامي إلى سبتة لا يعني الحصول على حق الإقامة، ولا يمنح تلقائياً إمكانية الانتقال إلى إسبانيا القارية. أما الخطأ الرابع، فارتبط بعدم إدراك طبيعة المخاطر الرقمية الجديدة المرتبطة بالهجرة غير الآمنة، حيث يمكن أن تتحول موجات الهجرة إلى حشود خلال ساعات، وهو ما يفرض إعادة صياغة حماية الحدود بما يشمل الرصد الرقمي والتواصل الفوري ومواجهة حملات التضليل قبل وصولها إلى الواقع. ويرى الخامس في غياب قراءة شاملة للأزمة باعتبارها قضية إنسانية وأمنية واستراتيجية معاً، مشدداً على أن حماية الحدود لا تفصل عن حماية الأرواح، وأن مواجهة الهجرة غير الآمنة تحتاج إلى سياسات تواصلية واجتماعية استباقية لمنع استغلال هشاشة الشباب والقاصرين من طرف مروجي الأوهام.
وشدد الفرفار على أن مسؤوليّة تقويم الاختلالات لا تعني خصومة مع إسبانيا ولا تقوض الشراكة الاستراتيجية بين الرباط ومدريد، بل تعززها من خلال إصلاح ما يلزم للحفاظ على الحدود وحماية الأرواح. كما أشار إلى أن مأساة 30 يوليوز يجب أن تتحول إلى درس واقعي يتيح رصد الإشاعات والرد عليها بسرعة، وتطوير أدوات المراقبة الحدودية لمنع تحويل البحر إلى مقبرة جديدة وتجنب تكرار الكارثة الإنسانية بتوافر قدر أكبر من اليقظة والاستباق.


