يخضع أكثر من 350 مليون شخص سنوياً لعمليات جراحية تحت التخدير العام، الذي يعطل الوعي مؤقتاً ويمنع المرضى من إدراك ما يجري حولهم أثناء الجراحة. لكن العلماء لا يزالون يجهلون الآلية الدقيقة التي يفقد بها الدماغ وعيه، رغم استخدام هذه الأدوية منذ نحو قرنين.
كيف يعمل التخدير العام؟
يختلف التخدير العام عن المسكنات أو الأدوية المسببة للاسترخاء، إذ يؤدي إلى فقدان كامل للوعي. وتشمل مواده غازات مثل الزينون وأدوية وريدية، من بينها البروبوفول، أحد أكثر عقاقير التخدير العام استخداماً. وعلى الرغم من اختلاف التركيب الكيميائي لهذه المواد، فإنها تشترك في تعطيل الاتصال بين الخلايا العصبية في الدماغ.
وتظهر فحوص الرنين المغناطيسي انخفاضاً عاماً في نشاط الدماغ خلال التخدير، غير أن كيفية تحول هذا الانخفاض إلى فقدان كامل للوعي ما زالت غير واضحة.
المهاد أم القشرة المخية؟
تشير بعض الدراسات إلى أن المهاد، أو الثلاموس، الواقع في عمق الدماغ، قد يكون من أوائل المناطق التي ينخفض نشاطها أثناء التخدير. وتؤدي هذه المنطقة دوراً في النوم واليقظة ونقل المعلومات بين أجزاء الدماغ، ما دفع باحثين إلى بحث احتمال تأثير أدوية التخدير في المسارات الطبيعية المرتبطة بالنوم.
في المقابل، يرى باحثون آخرون أن القشرة المخية، إلى جانب مناطق في الفصين الجبهي والجداري، قد تكون أكثر ارتباطاً بتوليد الوعي والتفكير ومعالجة المعلومات الحسية.
هل يفقد الجميع الوعي بالكامل؟
لا يبدو أن فقدان الوعي يكون مطلقاً في جميع الحالات. وتشير تقديرات إلى أن مريضاً واحداً من كل 15 ألفاً قد يتذكر أجزاء من العملية بعد الاستيقاظ، في ظاهرة تعرف باسم «الوعي العرضي أثناء التخدير».
وفي تجارب أخرى، تمكن نحو ثلث المرضى الذين بدوا فاقدين للوعي من الاستجابة لأوامر بسيطة، مثل تحريك اليدين، من دون إظهار علامات واضحة على الاستيقاظ أو الشعور بالألم. وأثارت هذه النتائج احتمال وجود حالة وسطى بين الوعي وفقدانه.
شبكات الدماغ قد تحمل الإجابة
تقدم دراسات حديثة تفسيراً يركز على طريقة تواصل مناطق الدماغ بدلاً من تحديد منطقة واحدة مسؤولة عن الوعي. فخلال التخدير تصبح أنماط النشاط الدماغي أقل تميزاً وأكثر تشابهاً، كما ينخفض الاتصال بين المناطق غير المرتبطة مباشرة.
ويرى الباحث أندريا لوبي أن التخدير قد يحرم الدماغ من القدرة على تنسيق هذه الشبكات الواسعة، بما يدعم فرضية نشوء الوعي من تعاون مراكز عصبية متعددة، لا من «مفتاح» واحد. ومع ذلك، لا يزال أصل الوعي وآلية اختفائه أثناء التخدير من أبرز الأسئلة المفتوحة في علم الأعصاب.


