تتصدر أزمة الهجرة الأخيرة عند حدود سبتة النقاش بين مدريد ورباط بشأن مستقبل السيادة على مدينتي سبتة ومليلية. فبينما تؤكد المملكة الإسبانية أن المدينتين جزء لا يتجزأ من ترابها الوطني منذ قرون، يصر المغرب على استرجاع سيادتهما، ويصفهما في وسائل الإعلام المغربية بأنه “أراضٍ محتلة” منذ عقود. تأتي هذه التطورات في ظل موجة عبور جديدة عند الحدود المغلقة، وقبله صمت رسمي مغربي يثير تساؤلات حول نوايا الرباط حيال الملف الذي تراه مصادر مغربية جزءاً من ثابت السياسات الوطنية. وتؤكد تقارير إعلامية أن الأزمة الراهنة رافقتها رسائل وتغطية إعلامية تميزت بنبرة تميل إلى الإحاطة بالملف من زاوية تاريخية وسياسية.
أبعاد الأزمة والتداعيات
وتحذر تحليلات صحفية إسبانية من أن توقيت الأزمة الحالية وتزايد الحديث عن الملف السيادي، إضافة إلى صمت رسمي مغربي شبه تام حيال الأحداث، قد يشيران إلى أن الرباط لا تنوي التخلي عن هذا المطلب، بل قد تستغل أزمات مستقبلية للضغط على مدريد بشأنه. وتلفت هذه التحليلات إلى أن هذا المطلب ليس جديداً على الإطلاق، بل هو ثابت يتكرر في الخطاب الرسمي المغربي منذ عقود، ما يعزز المخاوف من أن الملف قد يعاد فتحه مع أي توتر جديد بين البلدين. وفي هذا السياق يستذكر الإعلام الإسباني تصريحات معلقة بالتاريخ السياسي المغربي، من بينها الملك محمد السادس في 2009 حين أكد أنه “لن يتنازل ولو عن حبة رمل واحدة” من الأراضي التي تعتبرها المملكة جزءاً من وحدتها الترابية. كما يرد ذكر تصريح رئيس مجلس المستشارين المغربي سابقاً عن ثقته في “استرجاع المدينتين المحتلتين عبر الحوار والمفاوضات الإيجابية مع الجارة إسبانيا دون اللجوء لاستخدام السلاح”، إضافة إلى تلميح رئيس الحكومة الأسبق سعد الدين العثماني في 2020 إلى أن “يأتي يوم إعادة فتح ملف سبتة ومليلية” بعد تسوية نزاع الصحراء، وهو ما تعتبره مدريد خطاً أحمر لا مجال للتفاوض بشأنه.
تأملات وتحليل مغربي-إسباني
ويرى محللون ومعلقون إسبان أن استمرار الصمت المغربي حيال الأزمة المرتبطة بموجة العبور الأخيرة، مقابل تداول الخطاب السيادي حول المدينتين في أوساط مقربة من مؤسسات القرار المغربي، يعزز لديهم القناعة بأن هذا الملف “لن يُغلق أبداً” من الجانب المغربي، مهما تغيرت الظروف أو تعاقبت الحكومات. كما يرى هؤلاء أن حساسية العلاقات الثنائية جعلت من كل أزمة هجرة مستقبلية فرصة لإعادة طرح الملف العالق منذ استقلال المغرب في 1956، وهو أمر تقرأه مدريد كإشارة إلى أن الرباط لن تتخلى عن هذا الهدف.


