في سياق إقليمي متوتر يراوح منذ أكثر من خمسة عقود، يتركز الاهتمام الدولي على تطور حاسم في ملف الصحراء أدى إلى تقويض نسبي للدعم الجزائري للجبهة الانفصالية وتقدم للمغرب دبلوماسياً.
حول هذا التطور يبرز القول بأن المغرب يعزز موقعه في الملف ويطرح مقاربة الحكم الذاتي كمرجعية رئيسية للحل، بينما تواجه الجزائر تبعات سياسية ودبلوماسية نتيجة دعمها للبوليساريو.
جاء ذلك في إطار حديث الدكتور عبد الهادي مزراري وربطه بقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 2025 الذي أعاد الجزائر إلى موقع طرف رئيسي وأكد ضرورة التفاوض بين جميع الأطراف ضمن إطار مبادرة الحكم الذاتي.
كما أشار إلى أن الجزائر في ظل هذا التطور قد تجد نفسها في وضع دبلوماسي معقد، مع محاولات البوليساريو إعادة التموضع داخل مسار تفاوضي لم تعد الجزائر تتحكم فيه بالكامل.
خلفيات تاريخية ورؤيتان متعارضتان
منذ عهد الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين، اعتمدت الجزائر مقاربة استراتيجية تهدف إلى إضعاف المغرب عبر ملف الصحراء، وتحويل هذه القضية إلى محور مركزي في سياساتها الداخلية والخارجية.
وقد ترافق ذلك مع توجيه واسع النطاق لمؤسسات الدولة الجزائرية في اتجاه تعامل عدائي تجاه المغرب، بما في ذلك تعبئة شاملة للمؤسسات السياسية والثقافية والتربوية والإعلامية والدينية لخلق وعي داخلي يعتبر المغرب عدواً مركزياً وإبقاء المواطن الجزائري منشغلاً بالملف، مع تقديم صورة بأن الجزائر هي الدولة الحامية لحقوق الشعوب في المنطقة.
خارجياً، وثق مزراري أن الجزائر لم تدخر جهداً في تحويل القضية إلى ساحة مواجهة مفتوحة من خلال احتضان البوليساريو وتوفير فضاء استقرار لها في مخيمات تندوف، فضلاً عن ضخ دعم مالي ولوجستي للبنية العسكرية والسياسية للجبهة، بما في ذلك ما يعرف بـجيش التحرير الشعبي الصحراوي، وتخصيص ميزانيات كبيرة للتسليح والتدريب والعمليات العسكرية.
تطورات لصالح المغرب وتداعيات الجزائر
ويضيف مزراري أن المغرب اعتمد مقاربة مختلفة تقوم على الصبر الاستراتيجي، إذ شحذ في المرحلة الأولى القوة العسكرية ثم انتقل إلى حسم مسار النزاع سياسياً داخل الأمم المتحدة وعدم إدخاله في أطر إقليمية أخرى.
وبعد وقف إطلاق النار عام 1991، انتقل المغرب إلى كسب المعركة الدبلوماسية داخل الأمم المتحدة، مع رفض إدخال الملف في مسارات إقليمية، والإصرار على إشراف الأمم المتحدة وحدها.
ثم طرح في 2007 مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كتحول نوعي في المقاربة، ونقلت النقاش من خيار استفتاء إلى حل سياسي واقعي.
ووفقاً له، تم تفكيك عدد من المخططات الأممية السابقة وصولاً إلى ترسيخ مقترح الحكم الذاتي.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت التحولات لصالح المغرب، بينها تأمين معبر الكركرات في 2020، واعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء، ومواقف داعمة من ألمانيا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، إضافةً إلى افتتاح قنصليات في العيون والداخلة.
تداعيات ومسار التفاوض المستقبلي
في المقابل، يلفت مزراري إلى أن الجزائر تواجه تداعيات هذا المسار، بما في ذلك توترات في علاقاتها الخارجية وتراجع مكانتها في بعض المسارات الدبلوماسية، ومحاولات للانضمام إلى تكتلات دولية كبرى مثل مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي أقل من المتوقع.
كما أشار إلى تصريحات دولية، من بينها تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي قال إن الجزائر بلا وزن ولا تأثير في هذا الملف.
وختم بأن التطور الأبرز تمثل في مخرجات مجلس الأمن، حيث أعاد القرار 2797 الجزائر إلى موقع طرف رئيسي وأكد ضرورة التفاوض بين جميع الأطراف في إطار مبادرة الحكم الذاتي، ما يجعل الجزائر أمام وضع دبلوماسي معقد في ظل استمرار البوليساريو في محاولة إعادة التموضع داخل مسار تفاوضي لا تتحكم فيه.
وفي ظل هذه المعطيات، يستمر المغرب في تعزيز موقعه الدبلوماسي وتوسيع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي كخيار وحيد للنزاع.


