لا تزال البرامج الانتخابية في المغرب، في حالات كثيرة، تركز على معالجة البطالة وإصلاح التعليم وأزمة الصحة، بما يجعل المطالب الأساسية المرتبطة بالشغل والخدمات العمومية سقفاً للتنافس السياسي، في وقت انتقلت فيه دول متقدمة إلى مناقشة قضايا جودة الحياة وكفاءة المرافق والاستدامة والإنصاف الاجتماعي. ويثير هذا الوضع تساؤلات بشأن أسباب استمرار حاجيات يُفترض أن تدخل ضمن الحد الأدنى من الحقوق والخدمات في صلب الوعود الحزبية.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية ملفات التشغيل والتعليم والصحة، إذ تظل قضايا جوهرية بالنسبة إلى المواطنين، غير أن الإشكال يرتبط بغياب انتقال واضح من تدبير الأزمات وتوفير الحد الأدنى إلى بناء سياسات عمومية تجعل الرفاه والكرامة والاستقرار أهدافاً دائمة. فالمطلوب، وفق هذا الطرح، ألا تظل هذه الملفات مجرد عناوين انتخابية متكررة، بل أن تتحول إلى خدمات مضمونة وفعالة يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية.
من تدبير الأزمات إلى صناعة جودة الحياة
في الدول التي قطعت أشواطاً كبيرة في بناء مؤسساتها الديمقراطية والتنموية، لم تعد فرص الشغل أو تحسين التعليم والصحة محوراً وحيداً للبرامج الانتخابية، بعدما أصبحت الدولة توفر هذه القطاعات بجودة عالية وبشكل مستدام، بصرف النظر عن الحزب الذي يقود الحكومة. ويركز التنافس هناك على الجهة القادرة على توفير جودة حياة أفضل، وخدمات عمومية أكثر كفاءة، ومدن منظمة ومستدامة، ونقل عمومي مريح، وبيئة أنظف، ورعاية اجتماعية أكثر عدلاً.
ويرى عدد من الفاعلين في المجال الحقوقي أن السياسيين الساعين إلى تحقيق التقدم مطالبون بتجاوز منطق الاكتفاء بإدارة الأزمات، والانتقال إلى صناعة جودة الحياة. ويشمل ذلك بناء مجتمع تتوافر فيه شروط الرفاه والكرامة والاستقرار، وتحويل الثروة العمومية إلى مدارس ومستشفيات وخدمات وفرص حقيقية.
ما الذي يريده المواطن المغربي؟
وبحسب هذا التصور، لا يطالب المواطن المغربي بالمستحيل أو بالبذخ، وإنما يريد أن يرى نتائج التنمية والسياسات العمومية في تفاصيل حياته اليومية: مدينة آمنة وجميلة، ومستشفى يحفظ كرامته، ومدرسة تمنح أبناءه فرصاً حقيقية للارتقاء الاجتماعي، وإدارة تحترم وقته، وفضاءات عامة تتيح له الاستمتاع بالحياة. ويظل التحدي هو جعل تحسين جودة الحياة هدفاً سياسياً واضحاً ومستداماً، لا شعاراً موسمياً خلال الحملات الانتخابية.


