يعود حزب العدالة والتنمية إلى واجهة النقاش السياسي خلال الحملة الانتخابية الحالية من موقع المعارضة، منتقداً أداء الحكومة الحالية ومقدماً نفسه طرفاً قادراً على طرح البدائل والحلول. غير أن هذه العودة تأتي بعد تجربة امتدت لعقد كامل، قاد خلالها الحزب الحكومة لولايتين متتاليتين، قبل أن يتلقى في انتخابات 2021 هزيمة كبيرة أفقدته 112 مقعداً، إذ تراجع من 125 مقعداً إلى 13 فقط. لذلك، لا يمكن قراءة خطابه الحالي بمعزل عن حصيلة سنوات وجوده في قلب القرار الحكومي.
من المسؤولية إلى المعارضة
يتيح انتقال الحزب من المسؤولية إلى المعارضة مساحة أوسع لتشخيص الاختلالات وانتقاد السياسات العمومية، ولا سيما في ملفات القدرة الشرائية والتعليم والصحة والتشغيل ومحاربة مظاهر الاختلال. لكن هذا الدور لا يلغي ذاكرة الحكم، خصوصاً أن الحزب امتلك طوال عشر سنوات أدوات القرار والإمكانات والصلاحيات التي كان يمكن أن تتيح تنفيذ جزء كبير من الوعود التي رفعها. ومن ثم، يظل من المشروع طرح أسئلة بشأن ما تحقق فعلياً، وما تعذر إنجازه، والأسباب التي حالت دون تلبية عدد من الوعود والانتظارات.
ورافقت مرحلة حكم العدالة والتنمية احتجاجات اجتماعية ونقاشات واسعة حول قرارات وسياسات عمومية عدة، إلى جانب انتقادات لطريقة تدبير ملفات ذات حساسية اجتماعية واقتصادية. واختلفت التقييمات بشأن أسباب تلك الاختلالات وحجم مسؤولية الحكومة عنها، إلا أن تلك المرحلة خلّفت حصيلة سياسية ما زالت تحتاج إلى النقاش والمراجعة. ولا يفترض أن يتحول الانتقال إلى المعارضة إلى وسيلة لمحو هذه الذاكرة أو إلى بديل عن تقييم تجربة الحزب نفسه.
الحاجة إلى مراجعة سياسية
ويطرح ذلك ضرورة مراجعة سياسية واضحة: ما الذي تغير في رؤية الحزب وبرنامجه؟ وأين كانت مكامن الخطأ خلال الولايتين السابقتين؟ وهل استخلص فعلاً الدروس من القرارات التي أثارت انتقادات واسعة؟ فطرح حلول لمعالجة مشكلات سبق أن واجهها الحزب وهو في موقع القرار يتطلب توضيح الفارق بين وصفاته السابقة وما يقدمه اليوم.
في المقابل، لا تعفي مساءلة العدالة والتنمية الحكومة الحالية من مسؤولية تقديم حصيلتها والدفاع عن اختياراتها، إذ يحق للرأي العام تقييم ما تحقق وما لم يتحقق في كل مرحلة. غير أن الحصيلة السابقة تظل جزءاً من السجل السياسي، كما أن أي برنامج جديد مطالب ببيان اختلافه عن التجربة السابقة. ويبقى التحدي أمام الحزب هو إقناع الناخبين بأن عودته لا تقتصر على تغيير الخطاب، بل تستند إلى مشروع سياسي مختلف.


