الأمازون بلا جسر رئيسي: خلفيات اقتصادية وبيئية
يُعد نهر الأمازون أحد أعظم الأنهار في العالم، ويمتد عبر بيرو وكولومبيا والبرازيل بطول يناهز 6400 كيلومترًا باتجاه المحيط الأطلسي. وحتى اليوم لا يوجد جسر رئيسي يعبر مجراه الرئيسي، وهو وضع يختلف عن كثير من الأنهار الكبرى التي تعبرها جسور كثيرة. ولا يعود غياب الجسر إلى عجز هندسي محض، بل إلى مزيج من عوامل اقتصادية وجغرافية وبيئية. فالكثير من المناطق المحيطة بالنهر قليلة السكان وشبكات الطرق فيها ضعيفة، ما يجعل الحاجة الملحة لبناء جسر غير قائمة في نظر المستثمرين والجهات المعنية. كما أن النهر يعتمد كمسار نقل رئيسي في أجزاء واسعة من الحوض، وتبقى القوارب والعبّارات هي الوسيلة الأكثر استخداماً بين الضفاف والقرى والمدن.
وعلى خلفية الاعتماد المتواصل على النقل المائي، تعتمد حياة سكان حوض الأمازون على النهر للتنقل والتجارة في كثير من الأماكن، بينما لا توجد شبكات طرق كافية تجعل إنشاء جسر عريض مجدياً اقتصادياً في بعض المواقع. وتزيد الطبيعة الهيدرولوجية للنهر من تعقيد المشاريع: فحجم النهر يتغير بشكل كبير بين المواسم، فقد يرتفع منسوبه بمقدار يصل إلى نحو 9 أمتار خلال موسم الأمطار، كما يمكن أن يتسع عرضه من بضعة كيلومترات إلى عشرات خلال الفيضانات. وتؤدي الضفاف الطينية غير المستقرة، والتيارات القوية، والحطام العائم أيضاً إلى صعوبات تشغيلية وهندسية في تثبيت أساسات آمنة لجسر طويل العمر. وتُضيف العوامل البيئية طبقة إضافية من التكلفة والتعقيد، إذ تشمل التحديات الأمطار الغزيرة والتربة الرخوة وغطاء الغابات الكثيف، ما يجعل البناء والصيانة أكثر كلفة وصعوبة.
وتُسهم الدراسات البيئية في رسم صورة أوسع: إذ تُظهر مصادر أن إزالة الغابات تكون أعلى بكثير قرب الطرق والأنهار، حيث نحو 95% من عمليات إزالة الغابات في الأمازون حدثت ضمن مسافة 5.5 كيلومتر من الطرق أو كيلومتر واحد من الأنهار. كما كشفت دراسة نُشرت عام 2022، اعتماداً على الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية، عن شبكة كبيرة من الطرق غير الرسمية في الأمازون البرازيلية، كثير منها شُقّ من طرف قاطعي الأخشاب والمنقبين عن الذهب ومستوطنات غير مرخصة، وذلك يربط بين بناء الطرق وتوسع إزالة الغابات والحرائق وتجزئة النظم البيئية. يرى خبراء وناشطون بيئيون أن استمرار المجرى الرئيسي للنهر بدون جسور قد يحافظ بطبيعته على غابة الأمازون من ضغط إضافي للمشروعات العمرانية والطرق العريضة، لكن ذلك ليس خياراً وحيداً، فالمسألة تتعلق بنظام بيئي شديد الحساسية يلتقي فيه الاقتصاد والهندسة والبيئة في قرار واحد.
وفي هذا السياق، قال والتر كوفمان، أستاذ الهندسة الإنشائية في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ: «السبب الأساسي يتمثل في غياب الحاجة الملحة لبناء جسر فوق الأمازون، لأن كثيراً من المناطق المحيطة بالنهر قليلة السكان ووضع الطرق فيها ضعيف».


