الأول من مايو: صراع العمال ورأس المال الرقمي
الأول من مايو يتحول إلى حدث عالمي يواجه صراعاً قائماً بين العمال ورأس المال: من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملك سوى جهده. أصل هذا اليوم يعود إلى شرارة انطلاقه من شيكاغو عام 1886، حين خرج الآلاف من العمال مطالبين بثماني ساعات عمل يومياً، فأصبح منذ ذلك الحين رمزاً عالمياً للكرامة الاجتماعية والحق في ألا تتحول الحياة إلى مجرد آلة. في عالم يتسارع فيه الإنتاج وتزداد فيه الاعتماد على الآليات الرقمية، يظل الأول من مايو شاهداً على مطالب الإنسان بأن يحفظ وقته كإنسان ولا يُستنزف كسلعة.
سياسياً، الأول من مايو ليس احتفالاً بل ميلاداً لحقوق تُنتزع لا تُمنح: لا يوم راحة ثابت، ولا ضمان اجتماعي، ولا حد أدنى للأجور ولا حق الإضراب. كل بند في قانون الشغل كُتب بعرق العمال وبصرخات المضربين. تاريخياً، يرى ماركس أن العمل فعل خلاق يحقق الإنسان ذاته لكنه داخل النظام الرأسمالي يكتسب اغتراباً؛ وهيجل يعتبر العمل أداة تشكل الوعي وتحرر الإنسان من الطبيعة؛ بينما تذهب حنة أرندت إلى تفكيك أبعاد الكدح والعمل والفعل السياسي في سياق يأسر الحياة. مع ذلك، تغيرت صورة العامل: لم يعد رب العمل يملك سلطة مطلقة، بل خوارزمية تراقب الأداء وتحدد الدخل وتستبدل الإنسان بتقييم رقمي أو نجمة. صار العامل موظفاً رقمياً وسائق تطبيقات وعامل توصيل ومستخدم في اقتصاد المنصات. السلطة تحولت من مراقبة مباشرة إلى كود غير مرئي، ومن قهر صريح إلى استنزاف ناعم.
في العالم العربي، يتحول عيد العمال إلى طقس خطابي يتكرر فيه الكلام نفسه، بينما يعيش العامل بين ضعف الأجور وغلاء المعيشة وهشاشة الحماية الاجتماعية. الأسئلة الكبرى تتوسع: ماذا لو سرقت الآلة العمل نفسه؟ ماذا لو صار الذكاء الاصطناعي قادراً على الإنتاج والتخطيط والبناء أكثر من الإنسان؟ لمن ستذهب الثروة؟ وكيف سيعرف الإنسان نفسه إذا لم تعد المهنة هي هويته؟ كما يرد في النص: «الحقوق المنتزعة لا الممنوحة»، و«للإنسان حق في وقت لا يكون فيه سلعة»، و«الكدح الذي يستهلكنا من أجل البقاء، والعمل الذي يبني عالمًا مستقرًا، والفعل السياسي الذي يمنحنا الحرية».


