إصلاح الإعلام العمومي في المغرب: نقاش المال العام
المغرب – مع التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي وتزايد الاعتماد على المنصات الرقمية والاستعداد لاستحقاقات كبرى مثل كأس العالم 2030، تبرز مسألة إعادة النظر في قواعد اللعب داخل قنوات العرايشي العمومية كقضية ذات أولوية. فبين دعوات لإعادة تنظيم إدارة الإنتاج والبرامج والشركات وعدم ربط النتائج بشخص بعينه، يتسع النقاش حول ما إذا كانت الطريقة الحالية تستطيع إنتاج محتوى يستحق المال العام المخصص لها. كما تبرز المخاوف من منطق تكرار الوجوه والبرامج والشركات، في حين ينتظر الجمهور محتوى أكثر جودة وابتكاراً وبما يحق للدافعين للضرائب معرفة أين تذهب أموالهم وماذا يحصلون عليه مقابلها.
المسألة لا تقتصر على الشاشة؛ فدفاتر التحملات، وفق ما يرى البعض، تتضمن قياسات رضا الجمهور واستقراء آرائه. لكن السؤال الأساسي يبقى: من يفعل هذه القياسات؟ وكيف تُعلن النتائج؟ وهل يستند القرار إلى رأي الجمهور فعلاً أم أن نسب المشاهدة تتحول إلى شهادة نجاح تُبرر استمرار النموذج نفسه؟ فقد تكون نسبة المشاهدة مرتفعة بسبب التوقيت أو نقص المنافسة، بينما لا يعكس ذلك جودة المحتوى. وفي رمضان يتغير المشهد: قبيل الإفطار وبعده تتحول البيوت المغربية إلى فضاء يومي تقليدي، لكن هل يعني ذلك أن الجميع يتابعون البرامج باهتمام؟ أم أن الأجهزة تُشغل بهدف التواجد فحسب؟
وإذا كانت نسب المشاهدة دليلاً على النجاح، فهناك سؤال آخر: لماذا لا ينعكس ذلك النجاح خارج موسم رمضان؟ ولماذا لا تتحول البرامج التي قيل إنها حققت ملايين المشاهدات إلى حضور مستمر طوال السنة؟ ولماذا تختفي الأرقام حين ينتهي الشهر الفضيل؟ في هذا السياق، يطرح منتقدون أسئلة مثل: كم شخصاً فتح التلفاز؟ كم شخصاً اختار هذا البرنامج، وكم شخصاً رضي عنه، وماذا أضاف له؟ هل الجمهور راضٍ فعلاً؟
المطلوب الآن ليس مجرد تبديل برنامج بآخر أو وجه بوجه، بل مراجعة دفاتر التحملات وتفعيل ما هو موجود فيها، واعتماد تقييم فعلي بعد البث، وعدم تحويل نسب المشاهدة إلى معيار وحيد للنجاح. كما تدعو الدعوات إلى فتح المنافسة أمام أكبر عدد ممكن من الكفاءات والشركات، ووضع ضوابط صارمة ضد تضارب المصالح، ونشر خلاصات دورية حول نتائج التقييم ليعرف دافعو الضرائب ما إذا كانت الأموال استُخدمت لإنتاج محتوى يستحقها. فالمغرب بحاجة إلى إعلام عمومي لا يكتفي بإضاءة الشاشة، بل بمنتج يجعل الجمهور يختار الشاشة عن اقتناع، وليس مجرد مشاهدة تلقائية.


