تسرب تقرير المركز الوطني للهجرة والحدود (CENIF) إلى صحيفة El Español يفرض نفسه على واجهات الأخبار في مدريد، وهو ما يعكسه وصف خبراء بأن التسريب يمثل خطأً استراتيجياً فادحاً يكشف ارتباكاً واضحاً في إدارة الحكومة لملفاتها الأمنية الحساسة.

التقرير المعني يتناول أحداث سبتة ويشير إلى أن تدفق المهاجرين جاء في إطار عملية منظَّمة وموجهة ميدانياً نفذها أشخاص بلباس مدني، وهو ما يتعارض مع الرواية التي تبنتها الحكومة بقيادة رئيس الوزراء Pedro Sánchez. وفي تطور ذي صلة، أحالت المحكمة الوطنية ملف التقرير إلى سياق قضائي يربط المسألة بملكية الدولة وسيادتها، وهو ما يعقد المشهد السياسي ويضع السلطات أمام اختبار واضح لتنسيقها الأمني مع بقية المؤسسات.

من الناحية الإجرائية والحوكمة، يرى الدكتور محمد الطيار، الباحث في الدراسات الأمنية ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن التسريب ليس مجرد حدث سياسي، بل يكشف فجوة حقيقية بين الرواية الرسمية للحكومة ورواية أجهزتها الأمنية. فبحسب تحليله، بينما دافع رئيس الوزراء Sánchez عن براءة المغرب وربط تدفق المهاجرين بشبكات تضليل يمينية خارجية، قدم التقرير الأمني رواية مغايرة تفيد بوجود عملية منظمة وميدانية. خروج الوثيقة من جهازي أمني إلى القضاء ثم الإعلام وضع مدريد أمام تناقض يصعب احتواؤه. كما أشار الطيار إلى أن الوضع يعكس خللاً في قنوات التنسيق ويطرح علامات استفهام حول تماسك منظومة صناعة القرار الأمني في إسبانيا. وتطرق إلى أثر ذلك على مستوى الاستقلال المؤسسي والسيادي لدى الدولة، مبرزاً أن الأزمة تتجاوز مجرد ملف هجرة لتدخل إطاراً سيادياً أشد تقاطعاً مع صياغة الرؤية الأمنية.

قال الطيار في تعقيبه: سقطة استراتيجية كبرى جراء التسريب، مع إشارات إلى أن الواقع أظهر خللاً في قنوات التنسيق وتآكلاً في تماسك منظومة صناعة القرار الأمني في إسبانيا. وأضاف أن الطريقة التي عُقِد بها الملف من المحكمة الوطنية وبدون إطلاع الحكومة أو التنسيق مع مجلس الأمن القومي وCNI تُشير إلى احتمال أن تكون القضية جزءاً من نموذج من الحرب الهجينة، حيث تتحول الحدود إلى ساحة لاختبار جاهزية الدولة وقدرتها على الردع. كما أشار إلى أن فرضية أن التدفق كان عملية كشف واختبار لقدرات الردع الإسبانية قد تضع القضية في إطار استراتيجي أوسع من مجرد هجرة.

وفي سياق آخر، أقر وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا بأنه لم يعلم بالتقرير، قائلاً لا علم لي بهذا التقرير. وفي الوقت ذاته، استغلت المعارضة بقيادة الحزب الشعبي التسريب لمعاقبة الحكومة وتحميلها تبعات الاضطراب الأمني، وهو ما يعزز الانقسام السياسي ويزيد الضغط على قدرة مدريد على تقديم رواية موحدة وضبط مؤسساتها الأمنية وحماية حدودها.