انطلاق الموسم الثاني وتوجهاته السردية
انطلق الموسم الثاني من المسلسل الدرامي المغربي «رحمة» في اتجاهات سردية جديدة، حيث أظهر كتّابه رغبة واضحة في تجاوز أساليب التوتر التقليدي. وفقاً للمشاهدين، لم يكتفِ العمل بمواصلة نجاح الجزء الأول، بل دخل تجربة أكثر جرأة وعمقاً تهدف إلى تفكيك الشخصيات وكشف طبقاتها النفسية العميقة. في هذا السياق اعتمدت الكاتبة بشرى مالك نهجاً يقوم على الصدمة المكثفة من بداية الحلقات، بعيدا عن التمهيد التدريجي، بما وضع المشاهدين أمام عاصفة درامية تتفاعل معها العواطف وتختبر قدرة المتابعة على الاستيعاب والتورط في مصائر الشخصيات.
توظيف الفلاش باك وعمق الشخصيات
من أبرز الأساليب التي يواصل العمل استخدامها في الموسم الثاني، توظيف الفلاش باك للغوص في ماضي شخصية داوود، الذي يجسّد دوره عبد الله ديدان. لا تقتصر التقنية على تبرير سلوكه العنيف، بل تسعى إلى كشف جذور معقّدته النفسية: طفل تعرّض لخيانة والدته في بيت الزوجية، فحَولت جرحه إلى غضب دفين وكراهية للأنثى، وتجلّى هذا المسار في مزيج من الإدمان والعنف. طريقة السرد عبر ذاكرة مقطّعة تتيح عمقاً سيكولوجياً للمشاهد، وتقدم صورة مركّبة للشخصية بدلاً من شرح مباشر.
رحلة رحمة وعائلتها والتأثير الأخلاقي
على خط موازٍ، يتابع المسلسل استكشاف مأساة رحمة وعائلتها. ابنها اليزيد، ذو الاحتياجات الخاصة، يعاني ضغطاً نفسياً شديداً نتيجة شعوره بأنه سبب انفصال والديه وعبء على والدته. يعالج العمل هذه التيمة ليس دفعاً إلى العاطفة فقط، وإنما تدشين نقاش أخلاقي حول مسؤولية المرء عن مصيره، وهل يتكوّن المصير بفعل الماضي والمحيط أم يُعزَل عن السياق الاجتماعي.
ذروة درامية ومآلات الشخصيات
تتفاعل أحداث ذروة درامية في المستشفى حين تتقاطع مصائر الشخصيات. داوود يصبح ضحية حادثة أودت بحياة أطفاله من زوجته الثانية، وتواجه رحمة المشهد بارتباك وذكريات مؤلمة. أما الزوجة الثالثة، التي تؤديها فرح الفاسي، فتنحدر إلى قلب مأساة لم تستوعبها بعد، في حين تقضي الزوجة الثانية، التي تؤديها كريمة غيث، فترة في السجن دون معرفة مصير أبنائها. هذا التفاعل يعمّق البنية الإنسانية للمشهد ويُبرز أن الألم قد يمس الجميع ضمن شبكة علاقات معقدة حول شخص واحد.
الإخراج والمواجهة النقدية
من الناحية الإخراجية، يحافظ محمد علي مجبود على مقاربة سينمائية مميزة؛ فالكاميرا تصبح شريكاً في معنى المشهد، مع زوايا مدروسة وإضاءة دقيقة، خصوصاً في مواقع المستشفى والحواري، وتوثّق الانفعالات الدقيقة للشخصيات بما يعمّق الانغماس الدرامي للمشاهد ويمنح العمل طابعاً سينمائياً ذا أفق عالمي. ومع ذلك، يواجه الجزء الثاني بعض الانتقادات. يرى بعض المتابعين أن أداء سناء عكرود لم يستطع تعويض رحيل بطلة الموسم الأول منى فتو، وأن بعض المشاهد بقيت جامدة وتقلّصت وتيرته في نقاط محددة. من جانب آخر، برزت كريمة غيث بقوة في مشاهدها داخل السجن وتفاعلها مع خبر وفاة أبنائها، مما أعاد بناء تعاطف الجمهور مع شخصيتها، بينما ظل عبد الله ديدان حاضراً كعنصر محوري في تشويق العمل النفسي.
ختام
ختاماً، يمثل الموسم الثاني من «رحمة» محاولة حاسمة لإعادة تعريف التشويق الدرامي المغربي من خلال كتابة أكثر جرأة، وأداء تمثيلي متقن، وإخراج يحافظ على حسّها السينمائي. إذا استمر المسلسل على هذا المنوال، فقد يُعَدّ أحد أبرز الأعمال الدرامية المغربية في السنوات الأخيرة.


