في قصة بني إسرائيل مع “المن والسلوى”، التي يروى فيها عن الإمدادات الغذائية السماوية التي تلقاها هذا القوم بعد تحريرهم من استعباد فرعون، تظهر واحدة من أهم الدروس النفسية والاجتماعية حول مفهوم “جحود النعمة”. على الرغم من الحصول على الطعام الذي رمز للحرية والكرامة، طلب القوم التحول إلى الخيارات الأكثر شيوعاً مثل البصل والعدس.
تبدأ الحكاية بالملل الذي أصاب بني إسرائيل من “المن والسلوى”، وهو الطعام الذي كان يجسد حالة جديدة من الحرية والرفاهية. بدلاً من التركيز على التطوير الروحي والفكري، اختاروا العودة إلى مصادر الغذاء المرتبطة بواقع الطبقات الكادحة. طلب البصل والعدس لم يكن مجرد رغبة في التنوع، بل دل على قلة الصبر وعدم تقدير النعمة.
القرآن الكريم أشار إلى هذا التصرف بالذم في الآية “أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ”، مشيراً إلى “العقلية الاستبدالية” التي تدفع الأفراد والمجتمعات إلى التخلي عن ما هو خير من أجل ما هو أقل قيمة. هذه العقلية تُظهر عدم الرضا بالنعم الكبرى، كالحرية والاستقرار، والبحث عن جوانب قد تبدو أقل أهمية وقيمة.
في السياق المعاصر، يمكن رؤية هذه الظاهرة في المجتمعات والأفراد الذين يملكون الاستقرار أو الصحة ولكنهم يضيعون تلك النعم في السعي وراء مغريات مؤقتة أو قيم استهلاكية. إدراك قيمة النعم قبل فقدانها والتوقف عن التقليل من شأن ما هو متاح، يمثل ضرورة للوعي المجتمعي. فقصّة “البصل والعدس” تطرح دعوة مستمرة للتفكر في النعم الحالية قبل الاستسلام لآفة الاعتياد، ما يمكن أن يعود بالمجتمعات إلى الوراء.


