أداء يلامس وجع الأم العالية
\n
نجح مسلسل البراني في فرض وجوده منذ عرض حلقاته الأولى، ليس بفعل الإثارة فحسب بل بعمق الأداء وصدق التفاصيل التي تسمح للمشاهد بمعايشة معاناة شخصياته. في قلب هذا التميز تبرز الفنانة هند السعديدي وهي تُجسد شخصية \”العالية\” بمساحة شعورية لافتة.
\n
سرد الدراما والإخراج
\n
منذ الظهور الأول، تتناول الشخصية أمًا انهكها الانتظار؛ خمسة وعشرون عامًا من فراق ابنها الغائب في ظروف غامضة. الحزن لم يتخذ شكلاً دراميًا صاخباً، بل تجسد عبر تفاصيل جسدية دقيقة: انحناءة خفيفة في الكتفين، نظرات شاردة، حركة بطيئة تعكس ثقل السنوات. السعديدي لا تمثل الاكتئاب فحسب، بل تجعله يسكنها، مانحة الشخصية مصداقية نادرة في الدراما المغربية.
\n
تتغير وتيرة الأحداث مع اتصال من الشرطة يخبر \”العالية\” بأن شاباً مجهول الهوية في سن ابنها عُثر عليه في حالة حرجة ومدرجاً بالدم في غابة بإفران. ينتقل الأداء من حزن داخلي راسخ إلى ارتباك أمل قاتل: اتساع العينين، ارتباك في الخطوات، أنفاس متقطعة، وكل ذلك ينقل التوتر النفسي بين الرغبة في استعادة الابن والخوف من خيبة جديدة، دون استعراض مبالغ فيه. في المستشفى، تبلغ شخصية \”العالية\” ذروة هشاشتها: ممرات الإنعاش الباردة تشهد مشاهد صامتة مؤثرة، حيث تتشابك اليدان وتعلو النظرات على باب الغرفة وتتصارع دمعة مع صمت الشفتين، في محاولة التماسك أمام كل حركة طبيب أو ممرض.
\n
الإخراج والأسلوب
\n
على صعيد الإخراج، لم يقتصر عمل المخرج إدريس الروخ على التوثيق، بل اعتمد على لقطات قريبة لتحليل الحالة النفسية لشخصية \”العالية\”، مستفيداً من تفصيلات الوجه والعينين والحركات الدقيقة. هذه الكادرات جعلت المشاهد يعيش وجع الشخصية الداخلية بدلاً من الاكتفاء بمشاهد خارجية.
\n
أبرز النجوم والتشكيل الدرامي
\n
من جهة الأداء، قدم عبدالإله رشيد بطولة منسجمة مع احترافه في التماهى مع أدواره بصمت وتوظيف لغة الجسد. كما برزت رباب كويد بمرافقة الأداء القوي لشخصية مختلفة تماماً عن أدوارها السابقة، وتُظهر حِرفية عالية في إدارة التوتر العائلي المحيط بها. بينما جاءت وداد لمنيعي بتغيير جذري عن صورتها الكيوت المعهودة، مجسّدة فتاة مستَغلة من قبل عصابة متخصصة في السرقة بطرق تعبّر عن واقع صادم. كذلك أظهر كمال حيمود قدرته على التنقل بين الشخصيات بسلاسة وبدقة متناهية.
\n
بإجماله، يُثبت البراني أن نجاح الدراما ليس في الإثارة السطحية، بل في الأداء الصادق الذي يقود العمل. يظهر الفريق ككتلة متماسكة تعزز الدينامية وتؤشر إلى احتمال أن تكون هذه التجربة من أبرز محطات الموسم الرمضاني المغربي. المسلسل من إخراج \”إدريس الروخ\”، ويُبث على القناة الثانية دوزيم ليلة كل يوم اثنين، وهو من تأليف نرجس المودن وجواد الحلو بمشاركة نخبة من النجوم المغربيين، أبرزهم هند السعديدي وعبدالإله رشيد، إضافة إلى سعاد حسن، حميد باسكيط، كمال حيمود، رباب كويد، وداد لمنيعي، كريم بولمالوحسناء المومني.


