المفتش التربوي في زمن المدرسة الرائدة
في المشهد التربوي المغربي، لم يعد المفتش التربوي مجرد موظف إداري يراقب الامتثال للنصوص التنظيمية، بل بات اليوم راداراً للإصلاح وضمانة للجودة في بحر من التحولات البنيوية التي تعصف بمنظومة التعليم.
ومع انطلاق أوراش المدرسة الرائدة، وجد المفتش نفسه في قلب عاصفة مفاهيمية تمس جوهر وجوده المهني وتطرح أمامه أسئلة حول الهوية الوظيفية والغاية من الرقابة ذاتها.
فالمطالب الآن لا تقف عند التأكد من تطبيق النصوص فحسب، بل تمتد إلى دعم المؤسسات في تبني معايير معيارية، تعزيز جودة التدريس، وتفعيل آليات تقويم مستمرة.
في هذا السياق يُوصف الوضع بأنه انفصام وظيفي حاد: فالمفتش يُراد له أن يكون رادار الإصلاح وضمانة الجودة، وفي الوقت نفسه مُلزماً بضبط الامتثال وبتحقيق النتائج وفق إطارٍ تنظيمي صارم.
هذه التركيبة تضعه أمام تحدٍ عملي في ترجمة السياسات الجديدة إلى ممارسات يومية داخل المدارس، وتدفعه إلى التفكير في أدواته وتكوينه المهني بما يواكب هذه التحولات الكبرى.
تندرج هذه التطورات ضمن إطار أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل بنية المدرسة والإدارة التعليمية في المغرب.
أُطلقت أوراش المدرسة الرائدة كخطة تستهدف توحيد المعايير وتحسين نتائج التلاميذ من خلال حوكمة مدرسية أكثر شفافية وتحديثاً للمتطلبات المتعلقة بالتقويم والتدريس.
وهو ما يستلزم من المفتشين إعادة تعريف أدوارهم وتوسيع نطاق تدخلهم ليشمل ليس فقط المراقبة وإنما أيضاً الدعم والتوجيه والتقويم المساند للمؤسسات التعليمية.
بين مطابقة النصوص وتطبيقها من جهة، وبين الإسهام في تبني ممارسات إصلاحية من جهة أخرى، يقف المفتش أمام مهمة صعبة في موازنة بين الضبط والتمكين.
كما تبرز الحاجة إلى تعزيز التدريب المهني وتوفير أدوات تقييم جديدة تسمح بقياس أثر الإصلاحات على جودة التعليم دون إسقاطها على حساب المهنية والعدالة في التطبيق.
وفي ظل هذه الصورة، تظل الأسئلة حول استقلالية المفتشين ومرونتهم وتوفير الموارد اللازمة هي المحورية أمام صانع القرار ومهنيي التعليم على حد سواء.


